علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

302

ثمرات الأوراق

استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتجسّسون خبري . فحين رأوني رجعوا عني بالخبر إلى أمير المؤمنين ، فانتهينا إلى الباب في آخر النهار ، فحططت ودخلت على الرشيد ، فقبّلت الأرض بين يديه ووقفت . فقال : هات يا منارة وإياك أن تغفل عنه لحظة واحدة . فسقت الحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل والبخور والصلاة وما حدّثت به نفسي من امتناعه - والغضب يظهر على وجه الرشيد ويتزايد - حتى انتهيت إلى فراغ الأمويّ من الصلاة والتفاته ، ومسألته عن سبب قدومي ، ودفعي الكتاب إليه ، ومبادرته إلى إحضار ولده وأهله ، وحلفه عليهم ألّا يتبعه أحد منهم ، وصرفه إياهم ، ومدّ رجليه حتى قيّدته . فما زال وجه الرشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إيّاه لمّا ركبنا المحمل . قال : صدق واللّه ، ما هذا إلا رجل محسود على النعمة ، كذوب عليه ، ولعمري قد أزعجناه وآذيناه وروّعنا أهله . فبادر بنزع قيوده عنه وائتني به . قال : فخرجت فنزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد ، فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ماء الحياء يجول في وجه الرشيد . فسأله عن حاله ثم قال : بلغنا عنك فضل هيئة وأمور أحببنا معها أن نراك ونسمع كلامك ونحسن إليك . فاذكر حاجتك . فأجاب الأمويّ جوابا جميلا وشكر ودعا فقال : ما لي إلا حاجة واحدة . قال : مقضيّة ، ما هي ؟ قال : يا أمير المؤمنين تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي . قال : نحن نفعل ذلك إن شاء اللّه تعالى ، ولكن سل ما تحتاج إليه في مصالح جاهك ومعاشك ، فإن مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا ، فقال : عمّال أمير المؤمنين منصفون وقد استغنيت بعدلهم عن مسألته ، فأموري منتظمة ، وأحوالي مستقيمة ، وكذلك أمور أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين . فقال الرشيد : انصرف محفوظا إلى ولدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك . فودّعه ، فلمّا ولّى خارجا قال الرشيد : يا منارة ، احمله من وقتك وسر به راجعا إلى أهله كما جئت به ، حتى إذا أوصلته إلى محله الذي أخذته منه ، فدعه وانصرف . ففعلت : واللّه أعلم . * * * نادرة وحكي في الكتاب المذكور : قال حدثني أبو الربيع بن داود قال : كان في جوار أبي عمر [ القاضي ] قديما رجل انتشرت عنه حكاية ، وظهر في يده مال جليل بعد فقر طويل ، وكنت أسمع أن أبا عمر حماه من السلطان ، فسألته عن الحكاية فأطرق طويلا ثم حدثني قال :